أحمد مصطفى المراغي
194
تفسير المراغي
و روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم » . ( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أي وأنتم تعلمون مفاسد الخيانة وتحريم اللّه لها وسوء عاقبتها في الدنيا والآخرة ، وقد يكون المعنى - وأنتم تعلمون أن ما فعلتموه خيانة لظهوره ، فإن خفى عليكم حكمه فالجهل له عذر إذا لم يكن مما علم من الدين ضرورة ، أو مما يعلم ببداهة العقل ، أو باستفتاء القلب كفعلة أبي لبابة التي كان سببها الحرص على المال والولد ، ومن ثم فطن لها قبل أن يبرح مكانه . ( وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) أي إن فتنة الأموال والأولاد عظيمة لا تخفى على ذوى الألباب ، إذ أموال الإنسان عليها مدار معيشته وتحصيل رغائبه وشهواته ودفع كثير من المكاره عنه ، من أجل ذلك يتكلف في كسبها المشاق ويركب الصعاب ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال واجتناب الحرام ويرغّبه في القصد والاعتدال ، ويتكلف العناء في حفظها وتتنازعه الأهواء في إنفاقها ، ويفرض عليه الشارع فيها حقوقا معينة وغير معينة : كالزكاة ونفقات الأولاد والأزواج وغيرهم . وأما الأولاد فحبهم مما أودع في الفطرة ، فهم ثمرات الأفئدة وأفلاذ الأكباد لدى الآباء والأمهات ، ومن ثم يحملهما ذلك على بذل كل ما يستطاع بذله في سبيلهم من مال وصحة وراحة . وقد روى عن أبي سعيد الخدري مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم « الولد ثمرة القلب وإنه مجبنة مبخلة محزنة » . فحب الولد قد يحمل الوالدين على اقتراف الذنوب والآثام في سبيل تربيتهم والإنفاق عليهم وتأثيل الثروة لهم ، وكل ذلك قد يؤدى إلى الجبن عند الحاجة إلى الدفاع عن الحق أو الأمة أو الدين وإلى البخل بالزكاة والنفقات المفروضة والحقوق الثابتة ؛ كما يحملهم ذلك على الحزن على من يموت منهم بالسخط على المولى والاعتراض عليه